أصحاب الهمم في قصص الأطفال

أصحاب الهمم في قصص الأطفال

قرأتُ قبل سنوات قصة “أصوات العالم” لأصحاب الهمم في إحدى المدارس، وهي عن طفلةٍ صمَّاء تتعرف على الأصوات بطريقةٍ مختلفة، فصوت العصافير مثلًا يُشبه دغدغات أختها على راحة كفها، ومواء القطة كالخرمشة على ذراعيها وصوت الريح يُشبه ملمس الهواء حين تنفثُ أختها في أذنها. أشارت القصة كذلك إلى لغة الإشارة، وتظهر في إحدى رسوماتها إشارة كلمة أحبك التي استخدمها والد بطلة القصة. بعد أن أنهيتُ قراءة القصة، اقتربت مني طالبة لطيفة مع معلمتها، وقالت لي بخجل: “شكرا لأنكِ كتبتِ عنا.” عانقتُها بينما كانت تدور في رأسي أسئلة كثيرة، فالفتاة لم تكن صماء، ولم يمكنني تخمين ما كانت تريد قوله. عرفتُ لاحقًا من معلمتها بأنها واحدة من أكثر الطالبات تميزًا وتفوقًا، وأن والديها من فئة الصم، وحريصان على متابعتها دائما، ويتواجدان في كل الاجتماعات المدرسية. ذلك الموقف منحني سعادة لا يمكنني وصفها، ودافعًا لأستمر في مهنةٍ شاقةٍ اخترتها عن قناعة وشغف.

أصحاب الهمم في قصص الأطفال

 

ما المقصود بقصص أصحاب الهمم أو ذوي الإعاقة؟

هنالك كتب بلغة برايل تناسب ضعاف البصر أو أخرى صوتية لفئة الصم كما نعلم، ولكنني أقصد هنا قصص الأطفال المتعلقة بالإعاقة، والتي تكون شخصياتها على الأغلب من ذوي الإحتياجات الخاصة.

لم يهتم المشتغلون بأدب الأطفال في الوطن العربي بهذه الفئة كثيرًا، ولم يتم تسليط الضوء على قضيتهم بالقدر الكافي. ولكنني لمستُ اهتمامًا لافتًا بهم في الفترة الاخيرة، ونتجَ عنه قصصًا تحدثت عن إعاقاتٍ مختلفة بشكل ذكيّ ومدروس. من تلك القصص على سبيل المثال قصة “يونس” للكاتبة أمل ناصر، وهي عن طفلٍ مصاب بمتلازمة داون، وقد جاءت الرسومات معززة للنص حيث أن ملامح البطل قريبة جدًا من ملامح أطفال متلازمة داون. أما قصة “انسج مربعًا” للإماراتية أسماء كلبان فهي عن طفلة مصابة بالتَّوحد، تنسج الصوف على شكل مربع في كل مكان وكل الأوقات. أما عن المكفوفين فكتب مهند العاقوص قصة جميلة بعنوان “مكعبات”، ورسمتها الفنانة سحر عبدالله.

أصحاب الهمم في قصص الأطفال

ما أثر هذه القصص على الأطفال؟

توفر هذه القصص فرصة رائعة للطفل العادي كي يشعر بالآخر المختلف، ويفهمه ويتقبله، وتساهم في تخليصه من الصورة النمطية السائدة عنه، ويساعده على تكوين صداقات معه. تلك القصص تطور كذلك مستوى وعيه بالإعاقات المختلفة، والتحديات التي يواجهها أصحابها. فما الضير أن يتعلم الطفل لغة الإشارة مثلا، أو أن يتعرَّف على لغة برايل أو على العصا البيضاء التي يستخدمها المكفوفين؟ عندها يكون الأدب مصدرًا للمعلومة بشكلٍ غير مباشر.

 

كيف تؤثر تلك القصص على الطفل من أصحاب الهمم؟

يعاني الأطفال من ذوي الإعاقات من تحدياتٍ مستمرةٍ في حياتهم، مثل عدم الحركة، أو فقدان الرؤية أو السمع، وإن قرؤوا قصة كُتبت عنهم بشكل جيد سيكون له أثر رائعٌ عليهم بلا شك. إن هؤلاء الأطفال بحاجةٍ لأن يروا أنفسهم في القصص أسوة بغيرهم، فعندما يقرأ أحدهم كتابًا يجدُ من يُشبهه بين صفحاتها، سيفرح ويطمئن بأنه ليس وحده، وأن هنالك من يُشبهه في القصص كما في الواقع، وأيضًا بأن هنالك من ينظر إلى اختلافه بطريقة إيجابية.

كذلك يجب التنويه على حُسن اختيار الكتب الموجهة لأصحاب الهمم، والحرص أن تكون مناسبة لنوع الإعاقة، ومن الخطأ افتراض بأن الكتب كلها جيدة.

 

أصحاب الهمم في قصص الأطفال

ما هي ميزات الكتب الجيدة الموجهة لذوي الهمم؟

لا يحتاج هؤلاء الأطفال إلى الشفقة أو العطف بقدر حاجتهم إلى الاعتراف بوجودهم ومعاملتهم معاملة إنسانية لائقة، وبأنهم مميزون ومستقلون ومتساوون. صحيح بأن لديهم احتياجات مختلفة وجوانب ضعف، وقد يحتاج بعضهم إلى رعاية خاصة، ولكن من غير اللائق أن نُظهر ذلك بصورة سلبية في النصوص التي تُكتب عنهم وفي الرسومات التي تُعبر عنهم، ونتجاهل جوانب القوة لديهم والميزات التي يمتلكونها. وعلى الجانب الآخر ليس من الضروري أن تكون الشخصية المعاقة استثنائية وغاية في التميز، وأن يأتي قبولها فقط لما تتمتع به من ميزات أو مواهب.

أنا مع دمج أصحاب الهمم في أدب الأطفال، والتعريف بهم، ولعلها فكرةٌ حسنة وبادرة جميلة من الرسامين، بأن يظهروا ذلك في جزء من رسوماتهم إن سنحت لهم الفرصة وبشكل تلقائي، كأن تظهر شخصية من أصحاب الهمم، كطفلٍ على كرسي متحرك، أو رجل في الطريق يحمل العصا البيضاء الخاصة بالمكفوفين، وإن كان موضوع القصة بعيدا عن موضوع الإعاقة.

نحن بحاجة إلى المزيد من كتبِ أطفالٍ عربية عن أصحاب الهمم، لمنحهم صوتًا وصورة. إن وجود أدب يحتوي على صورٍ إيجابية عن المعاقين له أثر إيجابي على مواقف الأطفال العاديين تجاه أقرانهم من أصحاب الهمم، وتساهم بشكل واضح على الدمج الناجح لهم في الأسرة والفصول الدراسية وبيئة العمل والمجتمع.

 

نادية النجار

 

لمزيد من مقالات نادية النجار

شاركنا برأيك