الحكايات المسافرة

الحكايات المسافرة

الحكايات المسافرة

 

 مازالت قصص المسلسل الكارتوني الشهير “حكايات عالمية”  التي شاهدتها في طفولتي راسخة في ذاكرتي بكل تفاصيلها، وكلمات شارتها بصوت الفنانة أصالة نصري لا تغادرني، وأرددها بين حين وآخر: “من كل بلاد الدنيا .. من كل بقاع الأرض .. قصصٌ شتى .. تروى حتى .. نعرف أحوال الإنسان .. والكل هنا جيران.” يروي المسلسل في كل حلقة، قصة من قصص شعوب العالم، وحقق نجاحًا لافتًا، وتمت دبلجته إلى لغاتٍ مختلفة منها العربية. تلك الحكايات الشعبية وإن لم نعرف كل مؤلفيها، بقيت إرثًا تناقله البشر حتى وصل إلينا، ومنتجًا إبداعيًا إنسانيًا للعالم أجمع. و بقيت الحكايات المسافرة  ولكن ..ماهي الحكايات المسافرة ؟

ما هي الحكاية الشعبية؟

في كتابها “الحكاية الشعبية في دولة الإمارات” عرَّفت الباحثة مريم جمعة فرج الحكاية الشعبية بأنها القصة التي يتم تداولها شفاهيا من جيل إلى جيل مع تعدد رواياتها وعدم معرفة اسم مؤلفها، كما أن بعض هذه القصص مبنيٌّ على الخيال وبعضها الآخر ينطوي على جزء من الحقيقة المغيبة بمرور الزمن.[1] وذكرت كذلك بأن الكثيرون يُشبّهون الحكاية الشعبية بالمسافر بين أماكن مختلفة حول العالم، وفي الحقيقة أعجبني هذا التشبيه كثيرًا، والذي يُبرر تشابه حكاياتنا الشعبية المحلية بالحكايات العالمية كما ذاع صيت الألعاب الشعبية بالإمارات.

الخراريف

الخراريف

ازداد اهتمامي  بالحكايات الشعبية الإماراتية أو ما نسميه محليا “الخراريف” بعد أن قام مشروع “كتب – صُنعت في الإمارات”، المشترك بين المجلس الإماراتي لكتب اليافعين، ومعهد “جوته” الألماني، على جمع وإعادة كتابة قصص تراثية إماراتية، وكنتُ من ضمن الفريق الذي عمل على هذا المشروع ونتجَ عنه كتاب “خريريفة مجيرفة”. اندهشت مدربتنا الكاتبة الألمانية أوته كراوزة، وهي مؤلفة ورسامة في أدب الأطفال، من التشابه بين حكاياتنا وحكاياتهم، وأنا كذلك.

 

لم تكن لدي فكرة مسبقة عن “الخراريف” الإماراتية، واقتصرت معرفتي على بعض الكائنات الخرافية، مثل “بو درياه” و”حمارة القايلة” و “أم الدويس”. لاحقًا، اكتشفتُ مدى تنوع وثراء حكاياتنا الشعبية، فلدينا الكثير من “الخراريف”، وحتى “الخروفة” الواحدة، لها روايات ولهجات متعددة، تبعًا للبيئة التي جاءت منها. أثناء البحث، واجهتنا بعض الصعوبات، منها ضياع بعض القصص مع رحيل الأجداد والجدات أو غياب ذاكرتهم التي هرمت، واحتواء بعض الحكايات المدونة على ثغرات وتفاصيل ناقصة.

 

قام مجموعة من الباحثين والكُتاب في الإمارات بجهودٍ جبَّارة في جمع وتوثيق “الخراريف” قبل أن يطالها النسيان، منهم الباحث د. عبدالعزيز المسلم، مدير معهد الشارقة للتراث، والراحل الباحث أحمد راشد ثاني الذي ترك لنا كتبا قيمة تزخر بمجموعة من القصص الشعبية، مثل كتابه: “حصاة الصبر” الذي جمع فيها 15 حكاية من الإمارات، وكذلك الباحثة عائشة خميس الظاهري التي جمعت حكايات شعبية من مدينة العين من راوين وراويات مشهود لهم بالأمانة وحسن الاطلاع[2]، وكذلك الكاتبة والباحثة مريم فرج، وغيرهم ممن ساهموا في الحفاظ على هذا الإرث، ولا يسعني ذكرهم جميعا.

 

الاهتمام بتوثيق الحكايات الشعبية ضرورة وطنية ملحة، فمن خلالها يمكننا فهم ثقافة المجتمع، ولهجاته وبيئاته المختلفة، وأيضا كي نحفظها للأجيال القادمة من الضياع والاندثار.

ما هي الحكاية الشعبية

حكاية سندريلا الإماراتية

من هي سندريلا الإماراتية وكما ذكرت مسبقا، كان من اللافت ذلك الشبه بين حكاياتنا والحكايات الشعبية العالمية، وإن اختلفت أسماء الشخصيات والأماكن والتفاصيل. وسأخص بالذكر هنا خروفة “بديحة” أو النسخة الإماراتية من حكاية “سندريلا” العالمية، والتي لها روايات مختلفة في الوطن العربي.

 

سندريلا هنا، هي حمدة بنت السَّماك، الفتاة الطيبة التي تعاني من قسوة زوجة الأب ، حتى تساعدها “بديحة” أو السمكة المسحورة. وفي نهاية الحكاية تتزوج حمدة من ابن الشيخ، بعد أن تُساعدها السمكة على حضور الحفل، تماما كالقصة العالمية، التي تنتهي كذلك بنهاية سعيدة. أما اسم “بديحة” فقد جاء من سمكة البدح المحلية المعروفة في الإمارات.

 

انتشرت الحكايات الخرافية في المجتمعات، كقصة “سندريلا” وغيرها، على مر مئات السنين، وكل مجتمع يرويها بما يتناسب مع عاداته وتقاليده وظروفه، دون معرفة المصدر أو الراوي، أي أنها في رحلة سفرٍ مستمرة كما ذكرت الباحثة مريم فرج.

 

تظل الحكايات في ترحال عبر القارات والثقافات، وأظن أن هذا ساهم ويُساهم في إعطاء القصص مجدها، والأدب تأثيره. اليوم لحُسن الحظ صار هذا الأمر أسهل، مع حركة النشر والترجمة، وسهولة التنقل. ونحن في الإمارات، جزء من هذا العالم، نؤثر ونتأثر بثقافات الشعوب وحكاياتها. إنه عالمٌ صغير كما يُقال! أليس كذلك؟

 

بقلم الكاتبة: نادية النجار

 

[1]انظر كتاب ” الحكاية الشعبية في دولة الإمارات “- مريم جمعة فرج – مركز حمدان بن محمد – ط1 ص11

[2] انظر حكايات شعبية من مدينة العين” – ط1- أبوظبي؛ هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.


اقرأ المزيد : الألعاب الشعبية بالإمارات

الألعاب الشعبية بالإمارات

 

شاركنا برأيك